مصبغة الفقراء في القاهرة تكافح رياح التغيير بالجودة والإتقان كادت صباغة الخيوط بالطريقة اليدوية أن تنقرض كغيرها من الصناعات اليدوية الكثيرة في مصر، مرضت وضعفت وتلاشى معظمها بسبب الأزمات الاقتصادية، لكن “مصبغة عم سلامة” حملت لواء الحرفة البدائية وحافظت على نقائها من المواد الكيميائية الضارة متحصنة بالرضا والصبر والإصرار.

عناء ومتعة في مملكة الألوان (تصوير محمـد حسنين)

القاهرة – في الكثير من أروقة ما يعرف بالقاهرة الفاطمية في وسط العاصمة المصرية، كل منزل يروي تاريخا معينا، وكل جدار صامد يروي مهنة لا يزال بعضها يتنفس حتى اللحظة، واحدة من تلك المهن ترويها أقدم مصبغة للخيوط بالطريقة اليدوية، وهي “مصبغة عم سلامة” الواقعة في حي أصلان في الدرب الأحمر الذي يعد من أقدم الأحياء التاريخية بوسط القاهرة، بجوار مسجد أصلم السلحدار، والمعروف باسم مسجد أصلان.

الوصول إلى المصبغة العتيقة ليس بالأمر اليسير، فقد سبقته أزقة ضيقة مزدحمة ومبان حجرية عتيدة، بعضها مزين ببلاط ملون قديم، وهناك أيضا محال صغيرة أقرب إلى الدكاكين يبيع أصحابها منسوجات متنوعة بين مفارش ومناشف، ومنها إلى بيت لا يختلف مظهره الخارجي كثيرا عن المنازل المجاورة.

تتكون المصبغة من طابقين وسطح منبسط، ويتعدى عمرها الأجيال التي تعيش فيها، فهي موجودة منذ عام 1901، أي منذ عصر الخديوي عباس حلمي الثاني، وتملكها وزارة الأوقاف حاليا، والحاج سلامة هو المستأجر الرابع لها.

تبدو المصبغة من الداخل وكأن الزمن عشّش بها، فهي بمثابة الأثر خاصة أن عمرها تعدى المئة عاما، جدرانها متآكلة قاتمة اللون تكسوها الفطريات، والبدائية تخيم على كل ما في المكان من أجهزة كهربائية ومعدات وأثاث، إلى أرضية باهتة تكسوها ألوان غير متناسقة وخيوط متناثرة يمينا ويسارا.

وسط كل هذا، تداعب العين ألوان زاهية مبهجة ووجوه بشوشة تتشارك في البساطة والتلقائية وحالة رضا من النادر وجودها مع الفقر الشديد.

المنافسة الشرسة تهدد مهنة الصباغة المحلية (تصوير محمـد حسنين)

 

 

ملك وستة رؤساء

 

حرارة المكان مرتفعة وبخار الماء يغلف المشهد العام، وفي المنتصف يقف الحاج سلامة صاحب المصبغة تملؤه طاقة شبابية لا تفصح عن عمره الحقيقي الذي تجاوز الثمانين ربيعا بثمانية أشهر، وكشفت تشققات يديه عن لحظات حياتية وصعوبات اعترضت مشواره الطويل.

سلامة لا يجيد القراءة والكتابة، لكنه ماهر في فن الترحاب بالآخر، ويوزع ابتسامته على المارة، ولا يحرم منها أبناءه الإثنى عشر وأحفاده الذين وصلوا إلى أربعين حفيدا وحفيدة.

يقف سلامة بين أفراد عائلته دون كلل أو ملل يتنقل هنا وهناك كي يطمئن على جودة العمل، متحديا المصانع الكبيرة التي تصبغ الخيوط بالطرق الحديثة. ويوضح الحاج سلامة لـ”العرب” أنه امتهن هذه الحرفة منذ 72 عاما، أي بعد ثلاثة أعوام من انتقاله من محافظة القليوبية في دلتا مصر إلى القاهرة، ومنذ طفولته وهو يعشق الألوان ويرى الحياة “كرنافالا مبهجا”.

اللون المفضل لصاحب المصبغة هو الأبيض، لأنه يشير إلى نقاء القلوب وصفاء النية، ويعشق أيضا أول تسعة ألوان صبغها وهي “الأزرق الفاتح، الأحمر، الوردي، الذهبي، الأصفر الكناري، الأحمر، البصلي، البنفسجي والأخضر الغامق”، وقد صال وجال بتلك الألوان لكي يروج لمنتجه.

عشق سلامة للألوان لم يكن السبب الوحيد للعمل بصباغة الخيوط، فكما شرح أنه عاصر ملكا وستة رؤساء ورئيسين مؤقتين؛ من الملك فاروق وحتى الرئيس عبدالفتاح السيسي.

ويقول سلامة “أيام الحكم الملكي كان رجال الشرطة يقبضون على الشبان الصغار بشكل عشوائي، ويتفحصون أياديهم فإذا كانت خشنة يتركونهم لأنها دليل على أنهم يعملون، أما إذا كانت ناعمة وملساء فيأخذونهم لمعرفة إذا كانوا لصوصا أو موظفين”.

أما عم سلامة نفسه، فالصبغة جعلت يديه دائما ملونتين، وعندما كان يتم القبض عليه ويرى الضابط يديه يخلي سبيله على الفور، لأنهما كانتا بمثابة جواز يمنعه من الدخول إلى السجن.

وأشار عاشق الألوان الصناعية إلى أن أفضل أيام عاشها كانت إبان فترة حكم الملكية في مصر (قبل ثورة يوليو 1952)، فالحياة كانت بسيطة والسلع متوافرة بأسعار زهيدة، وكان وقتها يوجد ما يسمى بـ”التكية” التي أنشأها الملك فاروق لإطعام الفقراء، أما الآن فالحكومة لا تهتم إلا بالأغنياء، على حد قوله.

قطعت حديث سلامة امرأة عجوز من أهالي المنطقة، قصدته ليصبغ سروالا لحفيدها، وبالرغم من أنه يعمل في صباغة الخيوط فقط، إلا أنه أخذه وطلب منها أن تأتي لتتسلمه بعد يومين.

أهالي المنطقة يعرفون البيت المتهالك بـ”مصبغة عم سلامة” أو “مصبغة العمال”، لكن صاحبها يطلق عليها “مصبغة الفقراء”، فهو كما أكد “عجوز فقير وزبائنه مثله فقراء”، لا يملكون الدفع لمصنع كبير يقوم بصباغة ملابسهم المتواضعة، فيأتون بها إليه.

ظلت المصبغة محتفظة بآلية العمل التي أصر سلامة على توريثها لكل أفراد عائلته من الذكور، فلم يفكر أحد منهم بالعمل في مجال آخر، وحتى من سافر إلى مدن أخرى فقد قام بتأسيس مصبغة للملابس.

لوح صاحب المصبغة بيديه اللتين طبعت عليهما آثار الصبغة، مؤكدا أن مصبغته تتميز بتاريخ ثري بالخبرات، وأن السبب الرئيسي في بقائها من بين 150 مصبغة للخيوط أغلقت أبوابها، هو الرضا والأمانة في الصناعة.

عائلة سلامة تحفظ سر الألوان الطبيعية (تصوير محمـد حسنين)

 

زبائن عم سلامة من كل أنحاء مصر، فلديه 157 زبونا منهم شركات وتجار جملة وتجزئة ومصانع ملابس قطنية، فالجميع يدركون قيمة المصبغة اليدوية، فألوانها ثابتة وصحية وتخرج اللون المطلوب في وقت أسرع وأرخص.

تلك الدقة وضبط درجات الألوان جعلا المصانع الحديثة ترسل له عمالها ليتعلموا منه ويتدربوا على كيفية الحصول على نتيجة مشابهة.

ويشير سلامة إلى أن طريقة الصباغة اليدوية هي الأصل وكانت موجودة في مصر منذ زمن طويل، أما الحديثة فهي صورة مقلدة وباهتة ظهرت في منتصف السبعينات من القرن الماضي، أي منذ فترة الانفتاح الاقتصادي الذي تبناه الرئيس الأسبق محمد أنور السادات.

وفي الخارج يعرفون قيمة خيوطه، وله زبائن من دول أخرى، مثل السيدة تريزا صاحبة محل ملابس في برلين بألمانيا، والتي يحتفظ سلامة بصورة فوتوغرافية معها معلقة على جدار المطبعة، وهي تأتي إلى مصر بين حين وآخر لتحصل على خيوطه المصبوغة والتي لا تجدها في مكان آخر.

 

ألوان ناصعة

 

تبدأ ساعات العمل بالمصبغة مع بزوغ ضوء الشمس وتنتهي مع أذان العصر القادم من المسجد الصغير الذي تفصله عن المصبغة بضعة بيوت متهالكة.

الأجيال المتعاقبة في أسرة سلامة دليلها للعمل قطعة قماش يحملها الزبون ممهورة باللون المطلوب وتتم مطابقتها مع درجات ألوان يحتفظ بها سلامة في دفتر قديم.

الجميع يعمل ببدائية شديدة، فليست هناك وسائل للحماية الشخصية أثناء عملية الصباغة، كالكمامات والقفازات والأحذية المطاطية، والأدهى أن الجميع حفاة خوفا من تزحلق أحذيتهم على الأرض المكسوة بالمياه المصبوغة.

تأتي الخيوط القطنية من مصانع مدينة المحلة في محافظة الغربية (شمال القاهرة)، وهي من أكبر المدن المشهورة بالغزل والنسيج في مصر.

تفكّ الخيوط وتفرد على قضبان حديدية، ثم توضع في أحواض من المياه لتكتسب لونا ناصع البياض، ثم يخلط العمال لون الصبغة بنسب محددة وبالميزان في خمسين لتر ماء ساخن ويتم تقليبه جيدا لوضع الخيوط، وقد تكون الخيوط صوفية أو حريرية أو قطنية.

الألوان الفاتحة أسهل في صباغتها من الألوان الداكنة، إلا أن أغلبية طلبات الزبائن تركز على اللون الأسود فهو “ملك الألوان”.

ويؤكد العم سلامة أن الألوان المستخدمة في الصباغة طبيعية تستخلص من الخضروات والنباتات والأشجار وبعض الحشرات، فالمصبغة لا تستخدم الألوان الصناعية أو أي عناصر كيميائية مضرة.

ويتم تسخين المياه عن طريق حرق الأخشاب لتشغيل الموقد، وكانت المصبغة تعمل بالغاز والسولار وبسبب ارتفاع الأسعار تم استبدالهما بالخشب.

الصباغة الطبيعية تستخلص من الخضروات والنباتات والأشجار وبعض الحشرات (تصوير محمـد حسنين)

 

ورغم خطورة الدخان المنبعث من إحتراق الأخشاب على الصحة، إلا أن الرجل العجوز يؤكد أنه لم يذهب للطبيب ولو لمرة واحدة خلال أعوامه الثمانين.

مصطفى سلامة (ابن صاحب المصبغة) أكد أن مهنتهم ليست مرهقة كباقي المهن، لكنها تحتاج إلى درجة عالية من التركيز، لأنها تعتمد بشكل أساسي على المجهود الذهني، وعلى الصبّاغ التعامل مع لفافات ضخمة من الخيوط ليصل بها إلى لون واحد بنفس الدرجة مراعيا عنصر الجودة، فهي سر بقاء المهنة وثقة الزبائن.

ويوضح لـ”العرب” أن هناك أنواعا عدة للصباغة، منها الصبغة العادية ويضاف إليها ملح بكمية قليلة وصودا قش بنسبة 50 بالمئة، وهناك صباغة نصف ثابتة وأخرى ضد الضوء.

ويرى أن أفضل أنواع الصباغة هي الثابتة (الأدنجرية) التي لا يضاف لها ملح نهائيا، إنما تحتاج إلى صودا كاوية وبودرة سلخ لتثبيت اللون حتى لا يتغير بعد غسل الأقمشة بمادة الكلور.

وبعد تشبع الخيوط باللون المطلوب، يقوم مصطفى بوضعها في ماكينة العصر لتتخلص من كمية الماء الزائدة، وتلك العملية تحتاج إلى مجهود بدني وأكثر من شخص، لأن اللفافات تكون ثقيلة جدا بعد تشبعها بالمياه.

ولا يرمي الصبّاغ المياه الناتجة عن العصر، لكنه يعيد تدويرها مرة أخرى عن طريق إضافة مواد، ثم يستخدمها في صباغة خيوط أخرى تتطلب لونا قاتما.

ورصدت “العرب” يدي مصطفى اللتين كانتا مبللتين ومشبعتين باللون الأزرق الغامق، لكنه عندما مسك بهما لفافة من الخيط الأبيض لم يتأثر لونها، وعند سؤاله عن السبب رفض الإجابة ضاحكا وقال “هذا سر المهنة الذي تحتفظ به العائلة لنفسها”.

مصطفى يبلغ من العمر أربعة عشر عاما، يعمل كالفراشة بين المعدات التقليدية يساعد أباه وجده وعمه في جميع مراحل الصبغة ثم يتلقف اللفافات بعد عصرها.

ويقول إنه تعلم أصول المهنة من جده وهو في الخامسة، لكنه كان يتقاضى وقتها جنيهات قليلة، أما الآن فيحصل على 30 جنيها (دولار ونصف الدولار تقريبا) في اليوم، وهو نصف ما يتقاضاه أبوه أو عمه.

وواصل الحفيد كلامه وهو يحمل لفافات الخيط على كتفيه إلى الدور العلوي حيث يوجد سطح المصبغة، معربا عن قلقه من مستقبل المصبغة، فهو يلاحظ أن العمل بها يتناقص.

وتناول اللفافات شخص آخر في منتصف العشرينات من العمر يقف تحت أشعة الشمس، على ألواح خشبية مرتفعة، جسمه الضئيل ساعده على التحرك من لوح إلى آخر برشاقة، فتارة يرتب اللفافات وأخرى يقلب بعضها حتى تجف تماما.

وبعد التجفيف تدخل للمرحلة الأخيرة، والتي تتمثل في وضع لفافات الخيوط ذات اللون الواحد مع بعضها وربطها وتغليفها بأكياس كبيرة ليستلمها الزبون، أو يرسلها إليه الحاج سلامة على الموتوسيكل.

مهنة الصباغة ترجع إلى عصر الأسر الفرعونية في مصر (تصوير محمـد حسنين)

 

 

عشق ومعاناة

 

تشير بعض الدراسات التاريخية إلى أن مهنة الصباغة ترجع إلى عصر الأسر الفرعونية في مصر، وصباغة الثياب كانت معروفة في أواخر الأسرة الثالثة أو أوائل الأسرة الرابعة؛ فهناك قصاصة من القماش لونها أحمر تم العثور عليها في منطقة ميدو (منطقة أثرية في محافظة بني سويف جنوب القاهرة)، لكن الثياب لم تنسج بانتظام من خيوط ملونة حتى عصر الدولة الحديثة.

ويجمع العاملون بالمصبغة اليدوية على عشقهم للمهنة والمصبغة التي يعتبرونها بيتهم الأول، لذلك لم يبحثوا عن أعمال أخرى تجنبا من أن تلقى المصبغة مصير غيرها وتغلق أبوابها، لكنهم اشتكوا من العائد المادي الضعيف الذي يتحصلون عليه، فهو لا يكفي مستلزمات الحياة الباهظة، فضلا عن أنهم خارج نطاق الضمان الاجتماعي.

ويؤكد سمير سلامة أن العاملين في المهنة يقعون تحت تهديد المنافسة الشرسة من المنتجات الصينية التي غزت الأسواق المصرية، فسعر البكرة الواحدة من الخيط الصيني أرخص بنحو النصف تقريبا من المنتج المصري، وبالتالي فالزبون يسعى لتقليل السعر ويلجأ إلى تخفيض مكسب المصبغة وتقليل الكميات المطلوبة من الخيوط المصبوغة وفي الحالتين يتكبد المزيد من الخسائر. ويضيف أن أكثر من 60 بالمئة من مصانع المنسوجات تستخدم القطن قصير التيلة وتستورده من الخارج، لأن زراعته غير متوافرة في مصر، بينما القطن طويل التيلة يتم تصديره إلى دول كبرى وهو ما يضر بمصلحة المصانع وينعكس بالسلب على مصبغته.

ولم ينف مصطفى محمد (موظف بغرفة الصناعات النسيجية باتحاد الصناعات) أن عدم توافر الغزول القطنية أدى إلى توقف نحو 900 مصنع وتعثر ما يقرب من 250 مصنعا للغزل والنسيج، وهو ما أرخى بظلاله على مصابغ الخيوط، وكلها منظومة واحدة ترتبط ببعضها البعض، والخسارة في إحداها خسارة للجميع على المدى البعيد.

وفي المقابل يلقي باللوم على أصحاب ورش الصناعات اليدوية، موضحا لـ”العرب” أن أغلب تلك الورش تعمل في القطاع غير الرسمي ولا توفر ضمانا اجتماعيا للعمال وتتجنب دفع تعويضات مالية لهم.

ولفت إلى أن تلك المشكلة تحد من استفادة العاملين بالحرف اليدوية من الخدمات المقدمة من الحكومة المصرية من مبادرات التطوير والتحديث والتمويل، والتي تتبناها وتحرص عليها في الوقت الحالي.



التصنيف : تحقيقات

اترك تعليقا :

كل الحقوق محفوظة ل IRAQIBBC صحيفة العرب

استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل