شاشناق رمز غامض يحتفل به الأمازيغ في يناير من كل عام القائد التاريخي شاشناق وظف نفوذه الروحي في استمالة الشارع المصري، لا سيما وأن والده الأول ورث منصب رئاسة الكهنة، وحمل لقب 'الكاهن الأعظم'.

 

شاشناق قائد أمازيغي أم فرعون أم رجل صالح مذكور في القرآن

عيد رأس السنة لدى الشعب الأمازيغي في شمال أفريقيا، يأتي في موعد آخر غير الذي يعرفه العالم. فهم يحتفلون به كل 12 يناير، بجملة من العادات والطقوس، يستعيدون من خلالها أمجاد الماضي، لغرسها في ذاكرة الشباب.

يمجدون فيها مكتسبات قائدهم التاريخي شاشناق، الذي أسسوا بأنفسهم لاعتلائه الحكم في مصر الفرعونية، العام 940 قبل الميلاد، تقويم السنة الأمازيغية الزراعية. لكن تضارب الروايات التاريخية حول شاشناق، يحيل المتابعين إلى طرح استفهامات جادة حول الحقيقة والأسطورة لرمز الأمازيغ.

 

شاشناق السياسي الداهية

 

تصنف روايات تاريخية متداولة في المجتمع الأمازيغي، من يطلق عليه تعبير “القائد الرمز شاشناق”، في خانة المصلحين والمقربين إلى الله، والمذكورين في بعض النصوص التوراتية والإنجيلية، في سرد حادثة دخول بيت المقدس، في عهد نجل النبي سليمان، رحبعام، ويذهب آخرون إلى أن المقصود من الآيتين الرابعة والخامسة من سورة “الإسراء” في القرآن الكريم، هو شخص شاشناق.

وتقول الرواية الشعبية “لم يلجأ شاشناق الى خلع الفرعون بسوسنس الثاني، آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين، بالقوة أو عن طريق الانقلاب، لكنه بقي ينتظر بهدوء حتى وفاته، واستغل تلك المرحلة في تعزيز مركزه ونفوذه العسكري والديني داخل الدولة، مستفيدا في ذلك من قربه من البلاط الفرعوني، واطلاعه الواسع على شؤون وتفاصيل البلاد، ووظف دهاءه في كسب ود الشعب المصري، عن طريق تمسكه بمعتقداته وموروثاته الدينية”.

وظف شاشناق نفوذه الروحي في استمالة الشارع المصري، لا سيما وأن والده الأول ورث منصب رئاسة الكهنة، وحمل لقب “الكاهن الأعظم”، وأحكم قبضته على كهنوت المدن، وهو الرصيد الذي مهد لشاشناق الصعود إلى سدة الحكم، دون أي مقاومة، وأعلن ميلاد حكم الأسرة الثانية والعشرين، بمساعدة معبد آمون والقادة العسكريين.

وتنسب تلك المصادر للرجل إصلاح الأوضاع الداخلية المتدهورة في مصر، بسبب ضعف الحكام السابقين، وتوحيدها مع “تمازغا” الشرقية، فضلا عن هجومه على أرض يهودا في عهد رحبعام، ودخوله منتصرا إلى القدس.

 

مع الخضر وذي القرنين

 

كان شاشناق أداة من أدوات الله في الأرض وأحد عباده، الذين سخرهم لإنجاز إرادته كما هو الشأن بالنسبة للخضر وذي القرنين، حسب الاعتقاد الأمازيغي، ولذلك تم ذكره والإشارة إليه في نصوص الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والقرآن الكريم.

عيد يناير، عند المؤرخين، مناسبة شعبية قديمة في الكثير من نواحي المغرب العربي، تيمنا بحلول سنة فلاحية جديدة، حتى أن الاحتفال بها كان خاليا من أي انتماء عرقي أو إثني

 

ويقول الباحث إبراهيم تازغارت إن “كل الشعوب تحتاج إلى الأساطير المؤسسة، والشعوب الأمازيغية من حقها أن تمجد رجالها العظماء، وأن تحكي عنهم وتعلم أبناءها القيم الإنسانية الراقية التي أسس لها هؤلاء منذ القدم، وإن يحاول البعض الاعتراض أو خلق شرخ بين يناير وصعود شاشناق للسلطة في مصر، فإن ذلك يستهدف إجهاض جهود ونضالات القضية، في وضع الروزنامة الأمازيغية، واحياء التاريخ الغابر، كما فعله عمار نقادي، محند بسعود، طاووس عمروش، محمد أركون.. وغيرهم”.

ويضيف “لهذا أقول إن قصة الملك البطل شاشناق تأتي اليوم لترسم طريق الخلاص بين دعاة الدين بلا ثقافة، وبين المدافعين عن الثقافة بلا روح، واللذين يرفضان كل محاولة للخروج من مأزق العدمية، ولهذا نأمل أن يكون يناير 2967، (يقصد العام الماضي)، هو بداية المشوار ولحظة لفتح ورشة التأسيس لتاريخ أمازيغي، يكون ركيزة لانطلاقة ثقافية جديدة”، وهو ما يكون قد تحقق بعد إقرار الجزائر، رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا كغيره من الأعياد الوطنية، لأول مرة في البلاد وفي منطقة شمال أفريقيا.

وأمام هذا الزخم المتراكم في المخيال الأمازيغي حول شخصية الرمز شاشناق، تذهب روايات أخرى إلى نفي السرد الأسطوري للرجل، وإلى هيمنة الخيال على تركيب تفاصيل الناتج المتداول في الظرف الراهن، لا سيما في ما يتعلق بالروزنامة المعتمدة، والاقتران المزعوم بينها وبين قيادة شاشناق الأمازيغي لأمور السلطة في مصر الفرعونية.

ويرى الباحث والمؤرخ فؤاد صوفي أن “مناسبة يناير، هي أكذوبة تاريخية ولا علاقة لها بالأمازيغ، ولا علاقة بين يناير والملك المصري شاشناق، خلافا لما هو متداول، على أنه شخصية أمازيغية، وأن الرجل هو قائد عسكري مصري استغل الفوضى التي أعقبت موت الفرعون لاعتلاء السلطة في البلاد”.

 

اختلاط السياسة المعاصرة بالتاريخ

 

يوضح صوفي أن القائد العسكري شاشناق، هو مصري وأجداده وأحفاده مصريون، رغم أن البعض يريد أن ينسبه للبربر، ولا علاقة له لا بالأمازيغ ولا باحتفالات يناير التي تنسب لاعتلائه الحكم في مصر، وأن المغالطة يقف وراءها المناضل البربري الجزائري عمار نقادي، الذي أطلق الروزنامة الأمازيغية خلال ثمانينات القرن الماضي، واختار سنة 950 قبل الميلاد، التي صادفت وصول شاشناق للحكم في مصر، كأول سنة للروزنامة الأمازيغية.

الباحث إبراهيم تازغارت يدافع عن حق الأمازيغ في تمجيد رموزهم

 

ويرى أن “الوقائع التاريخية تثبت أن شاشناق لم يقاتل الفرعون رمسيس الثالث، ولم يأت إلى تلمسان الجزائرية، وأن صعوده للسلطة في مصر كان قبل قرنين من فترة رمسيس الثالث. وأن الروزنامة المتداولة هي اجتهاد ناشطين، لا يستند إلى حقائق تاريخية”، ما يظهر اختلالا كبيرا بين الروايات التي تتناول مسيرة القائد شاشناق.

ويعد صوفي واحدا من المهتمين بالتاريخ القديم للمنطقة، وشغل لسنوات بأرشيف ولاية وهران بغرب البلاد، ثم عمل باحثا مشاركا بمركز البحث في الأنتربولوجيا الثقافية والاجتماعية، الذي كانت ترأسه وزيرة التربية الحالية نورية بن غبريط، قبل أن ينتقل إلى إدارة الأرشيف الوطني.

وينفي ما يتم تداوله حول هزيمة الفرعون رمسيس الثاني على يد شاشناق، في معركة كبيرة بمنطقة الرمشي التابعة لاقليم محافظة تلمسان في أقصى غرب الجزائر، أو أن تكون للقائد عاصمة آنذاك تدعى تافرسة، لأن ذلك يعني أن الفرعون المصري قام بغزو منطقة المغرب العربي ووصل إلى غربها 1183، وأن شاشناق هزمه وأعاده إلى بلاده، ثم يجلس على عرشه، وهو غير ثابت تاريخيا، وأن الفرق الزمني بين الرجلين هو قرنان كاملان.

ويذكر أن الرواية الحقيقية لشاشناق توحي بأن الرجل سليل قبيلة الشواش التي كانت مقيمة على شط الجريد التونسية حاليا، وعندما عم الجفاف هاجرت إلى دلتا النيل واستوطنت هناك، وبعد عقود ظهر قائد عسكري منها اسمه شاشناق.

 

الحوض الحضاري

 

المؤرخ المصري رشيد الناضوري، يعتقد أن العناصر الليبية البربرية المستقرة في أهناسيا بالفيوم في مصر، والذين تسميهم النصوص المصرية بـ“التّحنو”، تمكنت من تقلد وظائف هامة في هذا الإقليم حتى ظهرت شخصية قوية فيها هي شخصية شاشناق الأول، الذي تمكن من الوصول إلى عرش مصر، وتأسيس الأسرة الفرعونية الثانية والعشرين وذلك سنة 950 قبل الميلاد، وكان قبل وصوله للعرش يحمل لقب رئيس المشاوش العظيم وهي تسمية ترجع في أصلها إلى منطقة شط الجريد جنوبي تونس.

عزز شاشناق مركزه في حكم البلاد بتزويج ابنه من ابنة آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين المصرية في تانيس، وبهذه الطريقة أوجد لأسرته حقا شرعيا في الوصول إلى عرش الفراعنة، كما يقول الناضوري الذي يضيف “لم تكن كل من الأسرتين الليبيتين في تاريخ مصر القديم الثانية والعشرين والثالثة والعشرين أجنبية بمعنى الكلمة، بل لقد تأثرت هذه العناصر البربرية بالحضارة المصرية المتفوقة في ذلك الوقت بالنسبة إليهم، مع الاحتفاظ ببعض العادات البربرية”.

واستمرت أسرة شاشناق الأمازيغية تحكم مصر الفرعونية أكثر من قرنين على رأس الأسرتين الـ22 والـ23. وبعض المؤرخين يذهب إلى الأسرة الرابعة والعشرين أيضا.

ويقول المؤرخ الأميركي وليام لانغر “شاشناق أحد رؤساء الليبيين الذين قاموا بدور هام منذ زمن في الدلتا، أسس أسرة الحكم الـ22 وعاصمتها بوبسطة، فأصبح الأمراء الليبيون كهنة لأمون بطيبة”.

قصة شاشناق تؤكد وجود حوض حضاري يمتد من المحيط الهندي بسواحل سلطنة عُمان، وحتى شواطئ الأطلسي بموريتانيا، وكان تداخل بشري يتم بصورة دائمة بين سكان هذا الحوض، مما يؤكد أن التجمع البشري الذي يقيم في هذا الحوض ينتمي إلى أصل حضاري واحد منذ ما قبل التاريخ. فسلاح الفرسان للجيش الفرعوني كان يتألف من الفرسان الأمازيغ، وتنقلت عبر القرون قبائل أمازيغية كانت تسمى اللوبية أو الليبية فأقامت بدلتا النيل.

قصة الملك البطل شاشناق تأتي اليوم لترسم طريق الخلاص بين دعاة الدين بلا ثقافة، وبين المدافعين عن الثقافة بلا روح

 

 

ما علمه القرطاجيون للبربر

 

ويبدو أن الرأي العلمي يميل إلى أن “عيد يناير” هو مناسبة فلاحية يحتفل بها في الكثير من نواحي المغرب العربي، تيمنا بحلول سنة فلاحية جديدة، ولا تقتصر على المناطق البربرية فقط، وأن الاحتفال بها كان خاليا من أي انتماء عرقي أو إثني، وأن الأب داليه، صاحب أهم قاموس للهجة القبائلية حديث، يذكر أن “يناير هو أول شهر من التقويم الفلاحي الشمسي، يقوم فيه الناس بتناول شربة يناير على لحم قرابين الديكة أو الأرانب، ويدخل هذا اليوم ضمن ما يسمى بأيام العواشير، التي تعتبر أياما دينية إسلامية، ومن التقاليد المتداولة أن الماء الذي ينزل في يناير ينغرز في وهج حرارة أغسطس”.

احتفالية يناير تختلف من بلدة لأخرى في الجزائر، إحياؤها معروف في مختلف ربوع البلاد، وليس في منطقة القبائل فقط. ففي منطقة البيض بالجنوب الغربي للبلاد، يتم إعداد “الشرشم” وهو القمح المطبوخ الذي يأكلونه حتى تأتي السنة بـ”الصابة”، أي بمحصول وفير.

وكتب المستشرق الفرنسي أو- دي ديستان، عن يناير في منطقة بني سنوس ـ تلمسان في أقصى غرب البلاد قائلا إنه “يوم نفقة اللحم. يوم نفقة الكرموس (التين المجفف)، وفيه يجمعون مساء بداية اليوم ورق الشجر الأخضر بأنواعه، حتى الريحان والبرواق وبوقرعون والخرّوب والسانوج والكروش والدرياس والعرعار، وينشرونها على سطوح المنازل حتى تأتي السنة خضراء”.

ويضيف دي ديستان “في ندرومة، يتناولون في اليوم الثاني لحم الغنم ويقولون: “من يأكل في ينّاير راس يبقى راس”، أي يبقى إنسانا عاليا. وفي تلمسان دائما يعدّون شربة الحريرة بالكروية. وتعد النساء الشرشم أي القمح المطبوخ وهن يتغنين بالبيتين “كل الشرشم لا تتحشّم/ ربّي عالم ما دسّينا شيْ/ قم تسلّف لا تتهوْرف/ قاع الحلّه ما فيها شيْ”.

وفي هذا العيد تكتحل النساء بالكحل، وإذا سقط سن صبي في هذا اليوم تردد أمه “يا سنينه يا بنينه، تخرج لوليدي سنينه، بجاه مكة والمدينة، ورجال الله كاملين”. وتقسَم رمانة على أفراد الأسرة.

والرمانة هي عادة عروبية كنعانية فينيقية ترمز للخصوبة الزراعية. وفي هذا الشأن يقول المؤرخ فرونيه باسيه “لقد علّم القرطاجيون البربر الزراعة، فالبربر يكسرون الرمانة على مقبض المحراث، أو يدفنوها في أول خط للحرث، تفاؤلا بأن سنابل الحبة المبذورة ستأتي كثيرة بعدد حبات الرمانة، وهي عادة مستمدة من ثقافة قرطاج، فالرمانة لديهم رمز للخصوبة”.



التصنيف : تحقيقات

اترك تعليقا :

كل الحقوق محفوظة ل IRAQIBBC صحيفة العرب

استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل