عصابات في العراق تبيع المال الوهمي للحالمين بالثروة السهلة الحلم بالثروة السهلة يؤدي في غالب الأحيان إلى الوقوع في عمليات التحيّل التي تتنوع طرقها لكنها تبدأ كلها بالترويج للحصول على أموال طائلة دون عناء ولا وقت طويلا، ليكتشف الضحايا أنهم خسروا ما لديهم من مدّخرات قليلة مقابل جشع وطمع بثروة لا توجد في الواقع.

الضحايا يعدّون السراب

بغداد – يتعرّض البعض من العراقيين إلى الاحتيال من قبل عصابات فردية تبعث برسائل على الفيسبوك تطلب فيها بيع أموال بحوزتها لكونها هاربة من عقوبة إلى خارج البلاد فتغري البعض من الناس بالتعامل معها، ثم يكتشفون لاحقا أنهم وقعوا في فخ.

يتحدث طارق الحلاق (37 سنة) لزبائنه في صالون الحلاقة الذي يعمل فيه بمنطقة المنصور، وسط العاصمة بغداد، عن أنّ أحلامه جميعها ستتحقق قريباً فهي لا تحتاج إلا لبعض الوقت.

الغنى السريع والسفر وتأسيس حياة جديدة في بلد هادئ والعيش المترف هناك، كلها أحلام وردية يسعى طارق إلى تحقيقها قريبا بعد أن وجد الطريق الذي يعتقد أنه سيوصله إلى ما يريد.

يتفاعل زبائن طارق من جيرانه معه، كما تجري العادة في الأحاديث التي تنشأ في صالونات الحلاقة الرجالية والتي تُنسى بمجرد الخروج منها.

بعد دقائق قليلة يصطحب أحد الجالسين في محلّ الحلاقة أحد زملاء طارق من العاملين معه ليخبره بضرورة أن يحثّ طارق على ترك الطريق الذي يريد سلوكه لكي لا يخسر عمله وماله وأحلامه في الوقت نفسه.

يريد طارق تجميع مبلغ مالي قدره ستة ملايين دينار عراقي أي ما يعادل (4800 دولار أميركي تقريبا) لغرض الشروع في تحقيق مشروعه الجديد الذي سيعود عليه بفوائد مالية تزداد في كل مرة إلى الضعف.

تبدأ القصة عندما قرأ طارق قبل شهرين تقريبا منشورا في إحدى صفحات موقع التواصل الاجتماعي الأكثر استخداما في العراق (فيسبوك) عن وجود مبالغ مالية تقدّر بالملايين من الدولارات في إحدى الدول المجاورة لا يستطيع أصحابها إدخالها إلى العراق وهم يريدون بيع هذه المبالغ بنصف قيمتها.

العصابات تغري الباحثين عن المال الوفير من خلال عرض مبالغ للبيع مقابل نصف قيمتها الحقيقية

“الشدة مقابل ستة ملايين والورقة بستين ألفا” أي أنّ الرزمة ذات العشرة آلاف دولار تباع بما يساوي خمسة آلاف دولار فقط بالعملة العراقية، وأنّ المئة دولار بستين ألفا، أي بما يعادل أقل من خمسين دولارا، هكذا يروّج أحمد الياسري (الاسم المستخدم من قبل صاحب المنشور) للمبالغ التي يُعلن عن بيعها.

ويرفق المنشور بمقطع فيديو يظهر الملايين من الدولارات التي تبدو حقيقية وغير مزوّرة والتي يعلّق عليها الشخص صاحب المنشور بصوته مكرّرا قوله “الشدة مقابل ستة ملايين والورقة بستين ألفا”، والتفاصيل لمن يرغب تكون عن طريق مراسلته على الحساب نفسه. رابط الإعلان في صفحة اسمها (سوق مريدي للسيارات بيع وشراء ومراوس السيارات الحديثة والقديمة) ولا يظهر الرابط لمن هم غير مشتركين في الصفحة.

لا يردّ الياسري على جميع الرسائل التي تصله عبر صفحته الشخصية للاستفسار عن سبب البيع بهذه القيمة التي لا تساوي إلا أقلّ من نصف القيمة الحقيقية لها، لكن الكثير ممن ردّ عليهم ومنهم طارق يقول إن السبب يعود لكون هذه الأموال مسروقة وأن أرقامها مسجلة لدى الجهات الرقابية الدولية، وبالتالي لا يمكن التعامل بها بكميات كبيرة عبر المصارف أو الحوالات مع استحالة إدخالها إلى العراق أو أيّ دولة ثانية عبر المطارات أو المنافذ الحدودية.

ولذلك يعتقد الكثير أنّ الحصول على جزء يسير من هذه الأموال والتصرّف فيه بكميات صغيرة من الممكن أن يكون تجارة مربحة جدا لسهولة صرف مبلغ يقدّر بعشرة آلاف دولار في العراق من خلال بضعة تعاملات تجارية كأن يشتري سيارة مثلا، أو أي شيء آخر أو حتى تصريفه في محال الصيرفة.

يسعى طارق إلى الحصول على أول رزمة ذات عشرة آلاف دولار مقابل الملايين الستة التي يعمل على جمعها للتصرّف فيها هنا في بغداد، والعودة مرة ثانية وشراء رزمتين بالسعر ذاته والاستمرار بهذا العمل لحين الوصول إلى مبلغ يمكنه من تحقيق أحلامه في فترة قياسية بالاستناد إلى المبالغ المعروضة من قبل أحمد الياسري.

لكن الحقيقة وراء ما ينشره الياسري مختلفة تماما عمّا يدور في مخيلة أي شخص يطالع منشوراته وغيرها من منشورات مشابهة والتي تُوحي أنّ هذه الأموال المزورة بطريقة احترافية يصعب كشفها، أو أنها مسروقة كما ذكر أعلاه أو حتى أنها أموال بحاجة للغسيل لأسباب معيّنة.

محمد أحمد (32 سنة) يروي لـ”نقاش” تجربته مع هذا النوع من العصابات التي تستخدم هذه الحيل للإيقاع بضحاياها والحصول على أموالهم دون أي مقابل.

العصابات جعلت القانون وسيلة لضمان عدم تبليغ الضحية عنها من خلال إيقاعه بشرك المساهمة في جريمة مفترضة تمنعه من التبليغ

“هذه الأموال حقيقية وليست مزوّرة أو مسروقة أو بحاجة لغسيلها لكن غير الحقيقي في الموضوع أنها ليست للبيع من الأساس″، يقول محمد.

ويضيف أن “هذه العصابات تُغري الباحثين عن المال الوفير من خلال عرض هذه المبالغ للبيع مقابل نصف أثمانها الحقيقية لتكون طعما لهم قبل أن يدفعوا الضحايا إلى تحويل أموالهم إلى أشخاص معيّنين أو حسابات ما، وعبر طرق يتم تحديدها من قبل العصابة ليكتشف الضحية متأخرا أنه وقع في فخ لا يمكن وقتها استرداد ماله منه”.

ويوضح محمد أن البعض من الأشخاص الذين اعتقدوا أنهم أكثر ذكاء اضطروا إلى السفر بأنفسهم إلى الأردن ولبنان، كما تمّ الاتفاق مع أفراد العصابة لضمان إتمام الصفقة، غير أنهم وصلوا إلى نفس النقطة التي وصل إليها من لم يسافر وهي ضرورة تحويل المال المحدد قبل الحصول على المقابل.

تتلاشى أحلام الطامحين إلى الثروة عندما يتخذّون خطوة تقديم الثمن لمن يتاجر بأحلامهم ليعرفوا عندها أنهم كانوا مجرّد ضحايا انضموا إلى ضحايا آخرين غيرهم يقدّر عددهم بالمئات إن لم يكن بالآلاف لمثل هذه العصابات.

وتبرز المشكلة الأساس في عدم مقدرة الضحايا على التبليغ عن مثل هذه العصابات لكونهم يعرفون أنهم من الناحية القانونية كانوا مساهمين في جريمة يعاقب عليها القانون، فهم يعرفون أنّ هذا المال مسروق أو مزوّر أو أنه جزء من عملية غسيل أموال واسعة، ومع ذلك انزلقوا في دوامته وهو ما يحذّر منه مدير عام مديرية مكافحة الجريمة المنظمة في وزارة الداخلية العراقية.

ويقول العميد الحقوقي خالد عبود بداي لـ”نقاش” إن “جهل المواطنين بالقانون قد يكون سببا في وقوعهم ضحايا لهذه العصابات وفي البعض من الحالات قد تكون الضحية شريكة في الجريمة من الناحية القانونية ما يستدعي التنبّه لمثل هذه الحالات”.

ويبدو أنّ هذه العصابات قد فهمت اللعبة جيدا فجعلت القانون وسيلة لضمان عدم تبليغ الضحية عنها من خلال إيقاعه بشرك المساهمة في جريمة مفترضة تمنعه من التبليغ لكي لا يكون أحد المتورّطين بها من الناحية القانونية، فيرضى بخسارة ماله مقابل عدم شموله بالعقوبات القانونية.

ويحثّ العميد بداي المواطنين على الاحتكام إلى العقل قبل التورّط مع هذه العصابات وغيرها مذكّراً بمقولة إن “القانون لا يحمي المغفلين وأن المال السائب يعلّم السرقة”.

ويواجه القائمون على هذه الصفحات إجراءات قانونية تحدّدها القوانين النافذة الخاصة بالجرائم الأخرى كالنصب والاحتيال وغيرها مما يقومون به عبر هذه المواقع.



التصنيف : التصنيف العام \ اخبار متفرقة " أخر ألأخبار" .

اترك تعليقا :

كل الحقوق محفوظة ل IRAQIBBC صحيفة العرب

استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل